سعيد س في عائد إلى حيفا عاد إلى حيفا بعد غياب عشرين سنة….وخرج منها باحساس متزايد بالفقد..
مريد البرغوثي..الشاعر الفلسطيني كانت له تجربة مختلفة وسطرها في كتابه الرائع رايت رام الله

مريد البرغوثي يعود إلى رام الله بعد أن غادرها للدراسة في الجامعة في مصر عام 67وتصادف في تلك الفترة الحرب ثم إغلاق حدود بلده فيستمر بعيدا عنها ولايعود إليها إلا في 97
اي بعد ثلاثين عاما من المنفى القهري
فيرصد لنا في هذا الكتاب العودة الثانية لرام الله بعد ثلاثين عاما من الغياب
بأسلوب راقي شاعر آسر…
الكتاب ليس فقط وصف لتجربة العودة..إنما هو سيرة ذاتية وتصوير لمعاناة النازحين واللاجئين والمقيمين
هي اكثر من ذلك بكثير…
تشعر معه بمرارة الغربة …
| |
|
|
| |
الغربة كالموت ، المرء يشعر أن الموت هو الشيء الذي يحدث للآخرين.منذ ذلك الصيف أصبحت ذلك الغريب الذي كنت أظنه دائما سواي.الغريب هو الشخص الذي يجدد تصريح إقامته. هو الذي يملأ النماذج ويشتري الدبغات والطوابع.هو الذي عليه أن يقدم البراهين والإثباتات. هو الذي يسألون دائما : (من وين الأخ؟)
!!
|
|
| |
|
|
وغرابة اللقاء!!
| |
|
|
| |
وقفنا بجوار الأسلاك الشائكة التي يرتفع وراءها العلم الإسرائيلي مددت يدي من فوق السلك ، و أمسكت بالأفرع العلوية من إحدى الشجيرات البرّية في الجانب المحتل من الجولان ، أخذت أهز الشجيرة المضمومة في يدي وقلت للدكتور حسين مروّة، و كان يقف بجواري مباشرة :- هذه هي ” الأرض المحتلة ” يا ” أبو نزار ” إنني أستطيع أن امسكها باليد ! |
|
| |
|
|
| |
|
|
| |
هي الآن ليست تلك الحبيبة في شعر المقاومة ، و لا ذلك البند في الأحزاب ، ليست جدلا و لا مجازا لغويا ، ها هي تمتد أمامي ملموسة كعقرب ، كعصفور، كبئر، و مرئية كحقل ٍمن الطباشير ، كآثار الأحذية، قلت لنفسي ما هى استثنائيتها لو لم نكن فقدناها؟ هي ارضٌ كالأرض ، نحن لا نرفع لها الأغنيات إلا لكي نتذكر الإهانة المتجسدة في انتزاعها منا ، الإهانة تنغص حياة المهانين ، نشيدها ليس للقداسة السالفة ، بل لجدارتنا الراهنة ، فاستمر الاحتلال يشكل تكذيبا يوميا لهذه الجدارة . لم اصل إليها بعد ، إنني فقط أراها بشكل مباشر كنت كمن ابلغوه بالفوز بجائزة كبرى ، لكنه لم يستلمها بعد . |
|
| |
|
|
الجسر ذاك الحد الفاصل او لعله الرابط بين الوطن المسلوب وبينه..كانت له عنده وقفات وتأملات..
| |
|
|
| |
الجسر
أخيرا ! ها أنا امشي بحقيبتي الصغيرة على الجسر، الذي لا يزيد طوله عن بضعة امتارٍ من الخشب ، و ثلاثين عاما من الغربة … كيف استطاعت هذه القطعة الخشبية الداكنة أن تٌقصي امةً بأكملها عن أحلامها؟ أن تمنع أجيالا من تناول قهوتها في بيوتٍ كانت لها؟ كيف رمتنا إلى كل هذا الصبر و كل ها الموت؟ كيف استطاعت أن توزعنا على المنابذ و الخيام و أحزاب البوشوشة الخانقة؟
………..
لا أقول لك شكرا أيها الجسر الصغير .
هل اخجل منك؟ أم تخجل مني؟ أيها القريب كنجوم الشاعر الساذج ، أيها البعيد كخطوة مشلول ، أي حرجٍ هذا؟ إنني لا أسامحك، و أنت لا تسامحني . |
|
| |
|
|
وهل سمعت عن المستوطنات..وهل فكرت في ماهيتها؟؟!!
| |
|
|
| |
كل الإحصائيات سخيفة بلا معنى . الندوات والخطب والإقتراحات والإستنكارات والذرائع وخرائط التفاوض وكلما سمعناه وقرأناه عن المستوطنات ، لايساوي شيئا أمام مشاهدتها بعينيك.
أبنية متدرجة من الحجر الأبيض متلاصقة ومتكاتفة .تصطف خلف بعضها في سطور منسقة،راسخة في أماكنها.بعضها عمائر وبعضها بيوت يغطي سقوفها القرميد
………………………….إذا سمعت من خطيب على منبر كلمة (تفكيك المستوطنات )فاضحك واضحك كماتشتهي.إنها ليست قلاعا من الليجو أو الميكانو التي يلعب بها الأطفال. إنها إسرائيل ذاتها
إنها إسرائيل الفكرة والأيدلوجيا والجغرافيا والحيلة والذريعة.
إنها المكان الذي لنا وقد جعلوه لهم. المستوطنات هي كتابهم.شكلهم الأول. هي الميعاد اليهودي على هذه الأرض . هي غيابنا.
المستوطنات هي التيه الفلسطيني ذاته.
|
|
| |
|
|
رأيت رام الله..سيرة ذاتية بلغة شعرية راقية للشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي..الذي عندما سئل مرة كم عمرك أجاب : أنا أكبر من إسرائيل بأربع سنوات!!
الروح الأساسية للكتاب هي الغربة..تحكي عن غربته عن بلده لمدة 30 سنة..عن غربته عن مصر عندما ابعد عنها …عن زوجته الأديبة المصرية رضوى عاشور وابنهما تميم الذي كان في شهوره الأولى..ولم يعد لها الا بعد 17 عاما
قليلة هي الكتب التي تأسرك…
حدث معي هذا عند قراءة سيرة مالكوم إكس..وعند قراءتي لـ رأيت رام الله
كان معها الحق كله حين اعتبرت صافيناز كاظم ان رواية (رأيت رام الله) لمريد البرغوثي. اهم عمل روائى صدر خلال نصف القرن الماضي. لم أكن اتصوّر أنها بكل هذه المتعة ولها كل هذا التقوّس. لم اتركها ترتاح حتى الصباح الذي تلى امساكي بها. رواية ليس لها بطل وهذا هو سر حيويتها ومعجزتها وسحرها. بطلها الزمن وكل شخوص الرواية والراوي نفسه احد ابطالها اما بطلها الحقيقي فهو المكان وابطالها السادات ولطيفه الزيان ويوسف ادريس وغالي شكري ورجال الامن الاسرائيلي واميل حبيبي ودير غسانه ودار الآداب وسيرة الراوي وابنه تميم لكن المنفي هو البطل الحقيقي ضمن كل هؤلاء الابطال.
اقام مريد البرغوثي بنية ضمت باقتدار جمالي عناصر السيرة الذاتية والقص، وحكى عبر ذلك رحلة عذاب الفلسطيني محوّلاً التجربة إلى عمل انساني فذ فاصبحت الرواية ذوب قلب وعصارة حياة قضاها الشاعر المرموق متنقلاً بين المهاجر والمنافي والمنابذ فصدرت الرواية عن روح فريدة حقاً في النظرة السمحة التي ينظر بها للناس والاحداث.(محمد خير)
“رأيت رام الله” كتاب فاز بجائزة نجيب محفوظ للإبداع الأدبي (1997) هل هي رام الله سرّ الإبداع المحقق!! أم أنها الثلاثون عاماً من الغربة أشعلت في القلب الحنين والاشتياق إلى ساكني رام الله!! أم أنه الوطن المحرم المنتظر على مشارف جسر العبور… جسر العودة ذاك الذي سكن في ذاكرة مريد البرغوثي بصرير خشبة، وبضيق مساحته وقصر طوله. هو ذاك الجسر القصير مشت عبره الذاكرة إلى ذاك الأفق الرحب المشبع برائحة الأهل والمترع بالصور القديمة الساكنة في الوجدان.
مريد البرغوثي فاز بجائزة عبوره ذلك الجسر الخشبي الصغير وكأنه بتجاوزه تمكن من المثول أمام أيامه، وجعل أيامه تمثل أمامه، يلمس تفاصيل منها بلا سبب مهملاً منها تفاصيل أخرى بلا سبب، مثرثراً لنفسه عمراً كاملاً، في يوم عودته ومن حوله يحسبون أنه في صمت عبر الجسر المحرم عليه بعد ثلاثين عاماً، وفجأة انحنى ليلملم شتاته، كما يلمّ جهتي معطفه إلى بعضها في يوم من الصقيع والتلهف. أو كما يلملم تلميذ أوراقه التي بعثرها هواء الحقل وهو عائد من بعيد.
وعلى مخدعه في تلك الليلة، ليلة العودة-لملم النهارات والليالي ذات الضحك، ذات الغضب، ذات الدموع، ذات العبث، وذات الشواهد الرخامية التي لا يكفيه عمر واحد لزيارتها جميعاً، من أجل تقديم الصمت والاحترام، وفي غمرة كل ذلك الروح شاحبة، والنفس ذابلة، وسؤال يقفز، ما الذي يسلب الروح ألوانها والنفس أنغامها؟!! وما الذي، غير قصف الغزاة أصاب الجسر؟. لملم مريد البرغوثي كل ذلك ليحكي في كتابه هذا رحلة عذاب فلسطين من خلال أسلوب قصصي شاعري رائع، جسد صدقه الإنساني المعذب والجميل( النيل والفرات)