أرشيف اغسطس, 2009

شكرا مهند!

اغسطس 25, 2009

مهند أبو دية..
قبل أكثر من عام..بكيناه
تناقلنا أخباره..بمزيد من الهلع..والبكاء
سخطنا..وحملّنا الوطن الجناية..فالحادثة كانت شنيعة..والضحية شاب مخترع في بداية العشرينات..ومتزوج حديثا ..يخرج من الحادث مبتور القدم اليمنى وفاقد للبصر..عوضه الله بالجنة

وهدأت أخباره…بحثت عنه قبل مدة في اليوتيوب..
عن أي مقطع أو لقاء له بعد الحادث ..فقط لأطمئن عليه..ولم اجد شيئا!

وبالأمس أطل علينا..بكل شموخ وكبرياء..
لنشعر اننا نحن المعاقون..لا هو..
ليقول لنا..أنه وإن فقد البصر فلم يفقد الإداراك
وإن فقد إحدى قدميه..فهو يقف على جبل من الطموحات والآمال

أطل علينا في برنامج الرائع الدكتور العوضي..ليخبرنا أن الإنسان هو من يصنع إعاقته..
هو من ينهار ..ويستسلم

وان الروح..لا حدود تحدها..ولا علاقة لها بالجسد..
أطل علينا ..ليتحدث عن مزيد من الاختراعات..ومزيد من الانجازات
عن الصبر وعن القبول..
عن طموحه وأمانيه التي لاتحدها حدود..

كنت أنظر للقاء بحبور بالغ..وفخر شديد..بل أني مررت التسجيل لولدي ليستمع له ليتعلم منه ..وأخبرته أن هذا الشاب قدوة..لا المغنين ولعيبة الكورة!
مهند أبو دية..شكرا لك..شكرا لكل مساحات الأمل والتفاؤل التي أحييتها في دواخلنا..وماشاء الله لاقوة إلا بالله!

لمشاهدة اللقاء
1-

2-

3-

4-

لاتصالح لاتصالح (2)

اغسطس 23, 2009

سعيد س في عائد إلى حيفا عاد إلى حيفا بعد غياب عشرين سنة….وخرج منها باحساس متزايد بالفقد..

مريد البرغوثي..الشاعر الفلسطيني كانت له تجربة مختلفة وسطرها في كتابه الرائع رايت رام الله

مريد البرغوثي يعود إلى رام الله بعد أن غادرها للدراسة في الجامعة في مصر عام 67وتصادف في تلك الفترة الحرب ثم إغلاق حدود بلده فيستمر بعيدا عنها ولايعود إليها إلا في 97

اي بعد ثلاثين عاما من المنفى القهري

فيرصد لنا في هذا الكتاب العودة الثانية لرام الله بعد ثلاثين عاما من الغياب

بأسلوب راقي شاعر آسر…

الكتاب ليس فقط وصف لتجربة العودة..إنما هو سيرة ذاتية وتصوير لمعاناة النازحين واللاجئين والمقيمين

هي اكثر من ذلك بكثير…

تشعر معه بمرارة الغربة …

     
  الغربة كالموت ، المرء يشعر أن الموت هو الشيء الذي يحدث للآخرين.منذ ذلك الصيف أصبحت ذلك الغريب الذي كنت أظنه دائما سواي.الغريب هو الشخص الذي يجدد تصريح إقامته. هو الذي يملأ النماذج ويشتري الدبغات والطوابع.هو الذي عليه أن يقدم البراهين والإثباتات. هو الذي يسألون دائما : (من وين الأخ؟)

!!

 
     

وغرابة اللقاء!!

     
  وقفنا بجوار الأسلاك الشائكة التي يرتفع وراءها العلم الإسرائيلي مددت يدي من فوق السلك ، و أمسكت بالأفرع العلوية من إحدى الشجيرات البرّية في الجانب المحتل من الجولان ، أخذت أهز الشجيرة المضمومة في يدي وقلت للدكتور حسين مروّة، و كان يقف بجواري مباشرة :- هذه هي ” الأرض المحتلة ” يا ” أبو نزار ” إنني أستطيع أن امسكها باليد !  
     
     
  هي الآن ليست تلك الحبيبة في شعر المقاومة ، و لا ذلك البند في الأحزاب ، ليست جدلا و لا مجازا لغويا ، ها هي تمتد أمامي ملموسة كعقرب ، كعصفور، كبئر، و مرئية كحقل ٍمن الطباشير ، كآثار الأحذية، قلت لنفسي ما هى استثنائيتها لو لم نكن فقدناها؟ هي ارضٌ كالأرض ، نحن لا نرفع لها الأغنيات إلا لكي نتذكر الإهانة المتجسدة في انتزاعها منا ، الإهانة تنغص حياة المهانين ، نشيدها ليس للقداسة السالفة ، بل لجدارتنا الراهنة ، فاستمر الاحتلال يشكل تكذيبا يوميا لهذه الجدارة . لم اصل إليها بعد ، إنني فقط أراها بشكل مباشر كنت كمن ابلغوه بالفوز بجائزة كبرى ، لكنه لم يستلمها بعد .  
     

الجسر ذاك الحد الفاصل او لعله الرابط بين الوطن المسلوب وبينه..كانت له عنده وقفات وتأملات..

     
  الجسر
أخيرا ! ها أنا امشي بحقيبتي الصغيرة على الجسر، الذي لا يزيد طوله عن بضعة امتارٍ من الخشب ، و ثلاثين عاما من الغربة … كيف استطاعت هذه القطعة الخشبية الداكنة أن تٌقصي امةً بأكملها عن أحلامها؟ أن تمنع أجيالا من تناول قهوتها في بيوتٍ كانت لها؟ كيف رمتنا إلى كل هذا الصبر و كل ها الموت؟ كيف استطاعت أن توزعنا على المنابذ و الخيام و أحزاب البوشوشة الخانقة؟
………..
لا أقول لك شكرا أيها الجسر الصغير .
هل اخجل منك؟ أم تخجل مني؟ أيها القريب كنجوم الشاعر الساذج ، أيها البعيد كخطوة مشلول ، أي حرجٍ هذا؟ إنني لا أسامحك، و أنت لا تسامحني .
 
     

وهل سمعت عن المستوطنات..وهل فكرت في ماهيتها؟؟!!

     
  كل الإحصائيات سخيفة بلا معنى . الندوات والخطب والإقتراحات والإستنكارات والذرائع وخرائط التفاوض وكلما سمعناه وقرأناه عن المستوطنات ، لايساوي شيئا أمام مشاهدتها بعينيك.
أبنية متدرجة من الحجر الأبيض متلاصقة ومتكاتفة .تصطف خلف بعضها في سطور منسقة،راسخة في أماكنها.بعضها عمائر وبعضها بيوت يغطي سقوفها القرميد
………………………….إذا سمعت من خطيب على منبر كلمة (تفكيك المستوطنات )فاضحك واضحك كماتشتهي.إنها ليست قلاعا من الليجو أو الميكانو التي يلعب بها الأطفال. إنها إسرائيل ذاتها
إنها إسرائيل الفكرة والأيدلوجيا والجغرافيا والحيلة والذريعة.
إنها المكان الذي لنا وقد جعلوه لهم. المستوطنات هي كتابهم.شكلهم الأول. هي الميعاد اليهودي على هذه الأرض . هي غيابنا.
المستوطنات هي التيه الفلسطيني ذاته.

 
     

رأيت رام الله..سيرة ذاتية بلغة شعرية راقية للشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي..الذي عندما سئل مرة كم عمرك أجاب : أنا أكبر من إسرائيل بأربع سنوات!!

الروح الأساسية للكتاب هي الغربة..تحكي عن غربته عن بلده لمدة 30 سنة..عن غربته عن مصر عندما ابعد عنها …عن زوجته الأديبة المصرية رضوى عاشور وابنهما تميم الذي كان في شهوره الأولى..ولم يعد لها الا بعد 17 عاما

قليلة هي الكتب التي تأسرك…

حدث معي هذا عند قراءة سيرة مالكوم إكس..وعند قراءتي لـ رأيت رام الله

كان معها الحق كله حين اعتبرت صافيناز كاظم ان رواية (رأيت رام الله) لمريد البرغوثي. اهم عمل روائى صدر خلال نصف القرن الماضي. لم أكن اتصوّر أنها بكل هذه المتعة ولها كل هذا التقوّس. لم اتركها ترتاح حتى الصباح الذي تلى امساكي بها. رواية ليس لها بطل وهذا هو سر حيويتها ومعجزتها وسحرها. بطلها الزمن وكل شخوص الرواية والراوي نفسه احد ابطالها اما بطلها الحقيقي فهو المكان وابطالها السادات ولطيفه الزيان ويوسف ادريس وغالي شكري ورجال الامن الاسرائيلي واميل حبيبي ودير غسانه ودار الآداب وسيرة الراوي وابنه تميم لكن المنفي هو البطل الحقيقي ضمن كل هؤلاء الابطال.

اقام مريد البرغوثي بنية ضمت باقتدار جمالي عناصر السيرة الذاتية والقص، وحكى عبر ذلك رحلة عذاب الفلسطيني محوّلاً التجربة إلى عمل انساني فذ فاصبحت الرواية ذوب قلب وعصارة حياة قضاها الشاعر المرموق متنقلاً بين المهاجر والمنافي والمنابذ فصدرت الرواية عن روح فريدة حقاً في النظرة السمحة التي ينظر بها للناس والاحداث.(محمد خير)

“رأيت رام الله” كتاب فاز بجائزة نجيب محفوظ للإبداع الأدبي (1997) هل هي رام الله سرّ الإبداع المحقق!! أم أنها الثلاثون عاماً من الغربة أشعلت في القلب الحنين والاشتياق إلى ساكني رام الله!! أم أنه الوطن المحرم المنتظر على مشارف جسر العبور… جسر العودة ذاك الذي سكن في ذاكرة مريد البرغوثي بصرير خشبة، وبضيق مساحته وقصر طوله. هو ذاك الجسر القصير مشت عبره الذاكرة إلى ذاك الأفق الرحب المشبع برائحة الأهل والمترع بالصور القديمة الساكنة في الوجدان.
مريد البرغوثي فاز بجائزة عبوره ذلك الجسر الخشبي الصغير وكأنه بتجاوزه تمكن من المثول أمام أيامه، وجعل أيامه تمثل أمامه، يلمس تفاصيل منها بلا سبب مهملاً منها تفاصيل أخرى بلا سبب، مثرثراً لنفسه عمراً كاملاً، في يوم عودته ومن حوله يحسبون أنه في صمت عبر الجسر المحرم عليه بعد ثلاثين عاماً، وفجأة انحنى ليلملم شتاته، كما يلمّ جهتي معطفه إلى بعضها في يوم من الصقيع والتلهف. أو كما يلملم تلميذ أوراقه التي بعثرها هواء الحقل وهو عائد من بعيد.

وعلى مخدعه في تلك الليلة، ليلة العودة-لملم النهارات والليالي ذات الضحك، ذات الغضب، ذات الدموع، ذات العبث، وذات الشواهد الرخامية التي لا يكفيه عمر واحد لزيارتها جميعاً، من أجل تقديم الصمت والاحترام، وفي غمرة كل ذلك الروح شاحبة، والنفس ذابلة، وسؤال يقفز، ما الذي يسلب الروح ألوانها والنفس أنغامها؟!! وما الذي، غير قصف الغزاة أصاب الجسر؟. لملم مريد البرغوثي كل ذلك ليحكي في كتابه هذا رحلة عذاب فلسطين من خلال أسلوب قصصي شاعري رائع، جسد صدقه الإنساني المعذب والجميل( النيل والفرات)

 لتحميل وقراءة الكتاب
رأيتُ رام الله – مُريد البرغوثي

لاتصالح لا تصالح (1)

اغسطس 23, 2009

هل فتحت الأخبار مؤخرا…

هل شعرت بالإرتباك..ولم تفهم شيئا..

هل أخذت تفكر وأنت ترى حماس وفتح يتصارعان ويريقان دماء بعضهما..أين القضية

هل رددت مع أمل دنقل منتشيا لاتصالح لا تصالح

لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟

ثم سألت نفسك ..أصالح من؟! ولم لا أصالح!!

هل اختلطت المسميات وشتت القضية فلم تعد تعرف أين هو حقك؟! واين هي القضية مع خارطة الطريق او اتفاقية اوسلو او مبادرة السلام او او او
هل هو عند فتح او عند حماس!!
وهل وهل وهل

هل ضاعت القضية…وماهي أصلا..

إذا أحسست بذلك…

فاقرأ رائعة غسان كنفاني عائد إلى حيفا

وعد الى هناك…الى عام 68 بعد الحرب والهزيمة و
وتخيل نفسك تركب مع سعيد ع في سيارته الفيات الرمادية وبجواره زوجته صفيه وهم في طريقهم لحيفا بعد أن تركوها مرغمين منذ اكثر من عشرين عاما أي منذ الإجتياح سنة 48

حين وصل “سعيد س” إلى مشارف حيفا، قادماً إليها بسيارته عن طريق القدس، أحس أن شيئاً ربط لسانه، فالتزم الصمت، وشعر بالأسى يتسلقه من الداخل، وللحظة واحدة راودته فكرة أن يرجع، ودون أن ينظر إليها كان يعرف أنها آخذة بالبكاء الصامت، وفجأة جاء صوت البحر، تماماً كما كان. كلا، لم تعد الذاكرة شيئاً فشيئاً بل انهالت في داخل رأسه، كما يتساقط جدار من الحجارة ويتراكم بعضه فوق بعض.
لقد جاءت الأمور والأحداث فجأة، وأخذت تتساقط فوق بعضها وتملأ جسده. وقال لنفسه أن “صفية زوجته، تحس الشيء ذاته، وأنها لذلك تبكي. منذ أن غادر رام الله في الصباح لم يكف عن الكلام، ولا هي كفت، كانت الحقول تتسرب تحت نظره عبر زجاج سيارته، وكان الحر لا يطاق، فقد أحس بجبهته تلتهب، تماماً كما كان الإسفلت يشتعل تحت عجلات سيارته، وفوقه كانت الشمس، شمس حزيران الرهيب، تصب قار غضبها على الأرض. طوال الطريق كان يتكلم ويتكلم، تحدث إلى زوجته عن كل شيء، عن الحرب وعن الهزيمة وعن بوابة مندلبوم التي هدمتها الجرارات. وعن العدو الذي وصل إلى النهر والقناة ومشارف دمشق خلال ساعات.

وعن وقف إطلاق النار، والراديو، وتهب الجنود للأشياء والأثاث، ومنع التجول، وابن العم الذي في الكويت يأكله القلق، والجار الذي لم أغراضه وهرب، والجنود العرب الثلاثة الذين قاتلوا وحدهم يومين على تلة تقع قرب مستشفى أوغستا فكتوريا، والرجال الذين خلعوا بذاتهم وقاتلوا في شوارع القدس، والفلاح الذي أعدموه لحظة رأوه قرب أكبر فنادق رام الله. وتحدثت زوجته عن أمور كثيرة أخرى، طوال الطريق لم يكن عن الحديث والآن، حين وصلا إلى مدخل حيفا، صمتا معاً، واكتشفا في تلك اللحظة أنهما لم يتحدثا حرفاً واحداً عن الأمر الذي جاءا من أجله! هذه هي حيفا إذن، بعد عشرين سنة”.

وجرب ان تستمع لحديث سعيدس لنفسه…وهو يعود بذاكرته للوراء لليوم الذي اضطروا فيه ان يتركوا بلدهم مرغمين..

سمه يوم النكبة ..الإجتياح..الإحتلال سمه ماشئت

الأسماء لن تؤثر كثيرا…

(ولأول مرة منذ عشرين سنة تذكر ما حدث بالتفاصيل وكانه يعيشه مرة أخرى.
صباح الأربعاء، 21 نيسان عام 1948.
كانت حيفا مدينة لا تتوقع شيئاً رغم انها كانت محكومة بتوتر غامض.
وفجأة جاء القصف من الشرق من تلال الكرمل العالية ومضت قذائف المورتر تطير عبر وسط المدينة لتصب في الاحياء العربية.
وانقلبت شوارع حيفا الى فوضى واكتسح الرعب المدينة التي اغلقت حوانيتها ونوافذ بيوتها….
كان سعيد في قلب المدينة حين بدأت أصوات الرصاص والمتفجرات تملأ سماء حيفا، كان قد ظل حتى الظهر غير متوقع ان يكون ذلك هو الهجوم الشامل وعندها فقط حاول للوهلة الأولى أن يعود الى البيت بسيارته، الا انه ما لبث أن اكتشف استحالة ذلك، فمضى عبر شوارع فرعية محاولاً اجتياز الطريق الى الحليصة حيث يقع منزله، الا أن القتال كان قد استع، وصار يرى الرجال المسلحين يندفعون من الشوارع الفرعية الى الرئيسية وبالعكس، وكانت تحركاتهم تسير وفق توجيهات بمكبرات الصوت تنبثق هنا وهناك وبعد لحظات شعر سعيد انه يندفع دونما اتجاه، وان الأزقة المغلقة بالمتاريس أو بالرصاص أو بالجنود انما تدفعه دون ان يحس، نحو اتجاه وحيد، وفي كل مرة كان يحاول العودة الى وجهته الرئيسية، منتقياً أحد الازقة، كان يجد نفسه كأنما بقوة غير مرثية يرتد إلى طريق واحد ذلك هو المتجه نحو الساحل.
كان قد تزوج قبل عام واربعة أشهر من صفية واستأجر بيته الصغير في تلك المنطقة التي حسب انها ستكون اوفر أمناً، وفجأة يشعر الآن بأنه لا يستطيع الوصول اليه، كان يعرف أن زوجته الصغيرة لا تستطيع أن تتدبر أمرها، فمنذ جاء بها من الريف لم تعتد ان تقبل العيش في المدينة الكبيرة، أو أن تكيف نفسها مع ذل التعقيد الذي كان يبدو رعباً لها، وغير قابل للحل ترى ما الذي يمكن ان يحدث لها الآن؟ كان ضائعاً تقريباً، ولم يكن يعرف على وجه التعيين اين يحدث القتال وكيف، وفي كل حدود علمه أن الانكليز كانوا ما زالوا يسيطرون على المدينة وأن الأحداث في شكلها النهائي كان مقدراً لها أن تقع بعد ثلاثة أسابيع تقريباً حين يشرع البريطانيون في الانسحاب حسب الموعد الذي حدوده.
ولكنه فيما كان يسارع الخطو كان يعرف تماماً أن عليه أن يتجنب المناطق المرتفعة المتصلة بشارع هرتزل، حيث كان اليهود يتمركزون منذ البدء، ومن ناحية أخرى كان عليه أن يبتعد عن المركز التجاري الذي يقع بين حارة الحليصا وبين شارع اللنبي فقد كان ذلك المركز نقطة القوة في السلاح اليهودي.
وهكذا اندفع محاولاً الدوران حول المركز التجاري كي يصل الى الحليصا، وكانت أمامه طريق تنتهي بوادي النسناس وتمر عبر المدينة القديمة.
وفجأة اختلطت عليه الأمور وتشابكت الأسماء الحليصا، وداي وشيما، البرج، المدينة القديمة، وادي النسناس، شعر أنه ضائع تماماً وأنه قد فقد وجهة سيره كان القصف قد اشتد ورغم انه كان بعيداً بعض الشيء عن مراكز اطلاق النار الا انه استطاع ان يميز الجنود البريطانيين يسدون بعض المنافذ ويفتحون منافذ اخرى.
ويبدو أنه بصورة ما وجد نفسه في المدينة القديمة، ومنها اندفع كأنما بقوة لا يعرفها، نحو جنوب شارع ستانتون، وكان يعرف الآن أنه يبعد أقل من مئتي متر عن شارع الحلول وبدأ يشم رائحة البحر.
وعندها فقط تذكر (خلدون) الصغير، ابنه الذي اتم في ذلك اليوم بالذات شهره الخامس، وانتابته فجأة قلق غامض ذلك هو الشيء الوحيد الذي مازال يحس طعمه تحت لسانه، حتى في هذه اللحظات التي تبعد عشرين سنة عن المرة الأولى التي حدث فيها ذلك.
هل كان يتوقع تلك الفجيعة؟ الأمور هنا تختلط الماضي يتداخل مع الحاضر، وهما يتداخلان مع أفكار واوهام وتخيلات ومشاعر عشرين سنة لاحقة هل كان يعرف؟ هل أحس ذلك الشيء الفاجع قبل أن يحدث احياناً يقول لنفسه: “بلى عرفت ذلك قبل ان يحدث) واحيانا اخرى يقزل لنفسه: (لا انا اصور ذلك بعد ان اتوقع شيءا مروعا من ذلك النوع).
كانا لمساء قد بدأ يخيم على المدينة ليس يدري كم من الساعات امضى وهو يركض في شوارعها مرتداً عن شارع الى شارع، اما الآن فقد بات واضحاً يدفعونه نحو الميناء، فقد كانت الازقة المتفرعة عن الشارع الرئيسي مغلقة تماماً وكان اذ يحاول الاندفاع في احدها ليتدبر امر عودته الى بيته، يزجرونه بعنف، احياناً بفوهات البنادق واحياناً بحرابها.
كانت السماء نادراً تتدفق باصوات رصاص وقنابل وقصف بعيد وقريب وكأنما هذه الأصوات نفسها كانت تدفعهم نحو الميناء ورغم أنه كان غير قادر على التركيز على ايما أمر معين، الا انه رأى كيف بدأ الزحام يتكاثف مع كل خطوة، كان الناس يتدفقون من الشوارع الفرعية نحو ذلك الشارع الرئيسي المتجه الى الميناء، رجالاً ونساء واطفال، يحملون اشياء صغيرة او لا يحملون، يبكون او يسبحون داخل ذلك الذهول الصارخ بصمت كسيح، وضاع بن امواج البشر المتدفقة وفقد القدرة على التحكم بخطواته انه ما يزال يذكر كيف انه كان يتجه نحوا لبحر وكانه محمول وسط الزحام الباكي، المذهول غير قادر على التفكير في أي شيء وفي رأسه كان ثمة صورة واحدة معلقة كانما على جدار زوجته صفيه وابنه خلدون.
لقد مضت اللحظات بطيئة وقاسية وتبدو الآن مجرد كابوس ثقيل لا يصدق اجتاز البوابة الحديدية للميناء حيث كان جنود بريطانيون يزجرون الناس ومن هناك رأى اكوام البشر تتساقط فوق الزورق الصغير المنتظر في الماء قرب الرصيف دون ان يعرف ماذا يجب عليه ان يفعل قرر الا يصل الى الزورق وفجأة –كمن اصيب بالجنون، او كمن عاد اليه عقله دفعة واحدة بعد جنون طويل- استدار وسط الزحام واخذ يدافعه محاولا بكل ما فيه من قوة مستنزفة ان يشق طريقه وسطه عكسه نحو البوابة الحديدية.
مثل من يسبح ضد سيل هادر ينحدر من جبل شديد العلو اخذ سعيد يشق طريقه بكتفيه وذراعيه وساقيه ورأسه يجره التيار خطوات الى الوراء فيعود ويتقدم مندفعاً بشيء من الوحشية مثل حيوان طريد يشق طريقاً مستحيلاً في دغل كثيف متشابك، وفوقه كان الدخان والعويل ودوي القنابل وزخات الرصاص تمتزج اصواتها بالصراخ وهدير البحر وزحف الخطوات الضائعة وضرب المجاذيف سطح الموج…
هل حقاً مضى على ذلك عشرون سنة؟
كان العرق يتصبب بارداً على جبين سعيد وهو يقود سيارته صاعداً المنحدر لقد حسب ان تلك الذاكرة لن تعود بهذا الصخب المجنون الذي لم يكن لها الا لحظات حدوثها ومن طرفي عينيه نظر الى زوجته كان وجهها مشدوداً أميل الى الاصفرار وكانت عيناها تتدفقان بالدموع لا ريب انها –قال لنفسه- تستعيد خطواتها ذلك اليوم ذاته، حين كان هو اقرب ما يكون الى البحر وكانت هي أقرب ما تكون الى الجبل، وبينهما يمد الرعب والضياع خيوطها غير المرئية فوق مستنقع من الصراخ والخوف والمجهول.
كانت –كما قالت له أكثر من مرة في السنوات الماضية- تفكر به وحين دوى الرصاص انطلق الناس يقولون ان الانكليز واليهود اخذوا يكتسحون حيفا راودها خوف يائس.
كانت تفكر به عندما جاءت اصوات الحرب من وسط المدينة حيث تعرف انه هناك، وكانت تشعر انها اكثر امناً فالتزمت البيت فترة، وحين طال غيابه هرعت الى الطريق دون ان تدري على وجه التحديد ما الذي كانت تريده.
في البدء كانت تطل من الشباك، ومن الشرفة، وكأنها شعرت الآن ان الأمر قد تغير تماماً، اذ بدأت النار تنهمر بغزارة بدءاً من الظهر من التلال الواقعة فوق الحليصا وأحست أنها محاصرة كلياً، وعندها فقط أخذت تعدو نازلة الدرج، واندفعت على طول الطريق نحو الشارع الرئيسي، وكان استعجالها لرؤيته قادماً يختصر خوفها عليه، وقلقها من المصير المجهول الذي كان يحمل الف احتمال مع كل رصاصة تطلق، وحين وصلت إلى أول الطريق اخذت ترقب السيارات المندفعة بسرعة، وقادتها خطواتها من سيارة الى اخرى، ومن رجل إلى آخر تسأل دون أن تحصل على اجابة وفجأة رأت نفسها في موج الناس يدفعونها وهم يندفعون من شتى ارجاء المدينة في سيلهم العرم الجبار الذي لا يمكن رده، كأنها محمولة على نهر متدفق مثل عود من القش.
كم مضى من الوقت قبل أن تتذكر أن خلدون الصغير ما زال في سريره في الحليصا؟
ليست تتذكر تماماً، ولكنها تعرف أن قوة لا تصدق سمرتها في الأرض، فيما أخذ السيل الذي لا ينتهي من الناس يمر حولها ويتدافع على جانبي كتفيها وكأنها شجرة انبثقت فجأة في مجرى سيل هائل من الماء وارتدت هي الأخرى تدافع ذلك السيل بكل قوتها، وأمام عجزها وتعبها اخذت تصرخ بكل ما في حنجرتها من قوة، ولم تكن كلماتها الطائرة فوق ذلك الزحام الذي لا ينتهي لتصل إلى أي اذن لقد رددت كلمة (خلدون) الف مرة مليون مرة، وظلت شهوراً بعد ذلك تحمل في فمها صوتاً مبحوحاً مجروحاً لا يكاد يسمع وظلت كلمة خلدون نقطة واحدة لا غير تعوم ضائعة وسط ذلك التدافق اللانهائي من الأصوات والأسماء.)

عائد إلى حيفا…

رواية تجعلك تعيش المأساة من جديد…

تذكرك بالقضية الأساسية التي نسيناها وغرقنا في قضايا فرعية

تذكرك بالحرب الأساسية التي هزمنا فيها وانشغلنا بحروب جانبية او بمحاربة بعضنا بعضا..

بأسلوب جميل وبسيط…ومليء بالتأملات التي تجعلك تقف عندها كثيييرا

“عائد إلى حيفا” ربما تكون في نصها عمل أدبي روائي، إلا أنها في نصها الإنساني تجربة عاشها غسان كنفاني وعاشها كل فلسطيني، تجربة جرح، وجرح وطن، وعذابات إنسان، قهر وظلم وحرمان، ومتشرد، لاجئ حيناً، ملتجئ أحياناً، إلا أنه دائماً وأبداً يحمل أمل العودة إلى ذاك الوطن الساكن في الوجدان.(النيل والفرات)

هل مازلت مشتتا في تصور القضية؟؟

إذا وهل تتصور أن الحال بعد حوالي ثلاثين سنة من دخول سعيد س لحيفا سيختلف

وهل سيخف الإحساس بالغربة والقهر!!

إذا انتظرني لندخل سويا إلى رام الله مع مريد البرغوثي..بعد غياب اجباري دام 30 عام وهو يسلك نفس الطريق… طريق الرجوع..

يتبع*
“نشرته في مكان ما وأعيد نشره هنا “

*تحديث:
عائد إلى حيفا نسخة الكترونية

http://www.pflp.ps/index.php?action=Download&id=49

رمضان كريم

اغسطس 22, 2009

رمضان كريم..
أرجو أن نكون من عتقاءه من النار في هذا الشهر

لا أعلم لم دائما..أشعر بالحنين لطفولتي في رمضان!

مدفع رمضان..
مزاح أبي عندما كان يطلب منا أن نصعد إلى السطح لنستمع لصوت المدفع ونخبره..وكنا نفعل دائما رغم علمنا أنه يمزح..
هاتف البيت الذي لم يتوقف عن الرنين..ليلة رمضان
وصوت أبي الجهوري وهو يرد عليه..ونصغ السمع له..
لنعرف من المتصل..
أقارب لم نسمع عنهم..في تلك الليلة..نسمع أصواتهم..وتشرح لنا أمي ماهي هذه الصلات التي تربطنا بهم
رمضان اول صيام..
الطنطاوي..وحديثه ونحن نفطر..
تفسير الشعراوي في آخر الليل..وأخي المغرم به..يمسك بجهاز التسجيل ليسجل الحلقة
وكم مرة.كان يوقف التسجيل ويطاردنا لاننا نتعمد أن نقترب من المسجل ونصرخ

صلاة التراويح..وسماعنا لدعاء القنوت..وتباكينا..وتفاخرنا أننا بكينا! وأمي التي كانت دائما ماتبكي..
تعب أمي “الله يكتب لها الاجر”..من الطبخ ..واستلقائها بعد صلاة العشاء.. كمن خاض حربا وانهاها
السوبيا..التي يحضرها أخواني..وتجربة شربها لأول مرة..وأخر مرة!
تجمع المحتاجين أمام قصر “سمو الأمير” المواجه لبيتنا في العشر الأواخر ..والفوضى..والزحام..وودائما لايتفرقوا إلا بعد أن تفرقهم الشرطة وبالضرب أحيانا!

كثيرة هي الذكريات التي تتزاحم في مخيلتي..وأفشل في تسطيرها..

رمضان شهر الذكريات!
الله يجعلنا من صوّامه وقوّامه

عاشر من تعاشر فلا بد من الفراق

اغسطس 14, 2009

يقول المتنبي .شر البلاد بلاد لا صديق بها

أكملت الآن عام كامل في هذه المدينة الغريبة التي أسكنها ولا تسكنني..بعد أن غادرتني آخر صديقاتي
وتركتني هنا..وحدي!
عام كامل ..وأنا وحدي! ..وفعليا بلا صديق
إن أقنعت نفسك انه لن يتغير شي..
وأن التكنلوجيا..قد قربت كل بعيد..وان لا فراق في عصر النت..
فأنت تغالط نفسك..
لأن الصداقة لها متطلبات أخرى..
وحضّر نفسك لتقبل أنواع جديدة من العلاقة..مع من كانوا يوما أكثر التصاقا بك من أنفاسك..

قبل فترة..أرسلت لي إحدى صديقاتي..وكانت تشتكي من تقلب الحال
والعودة إلى مرحلة.. الـ”لا صداقات”..
فأخبرتني أنها وجدت بعض عزاء..في حديث الشبخ الطنطاوي
واستمعتُ له..كان يتحدث عن حياته وعن تغير الحال بعد الحال
وفقدانه لاحبابه وابتعاده عنهم..
وأنه أخيرا..وجد أن الله هو الباقي..وأن كل ماعداه راحل
فطابت نفسه..
وكلما ضاقت بي الدنيا..
أو شكوت الوحدة..عدت إليه..
لأستمع لحديثه..
لذلك أحببت أن أمرره لغيري..كما فعلت صديقتي..
أتشتكي الوحدة..وترقب أطيافهم..علّهم يعودوا..
إستمع هنا..فقد تجد بعض عزاء

(1)

(2)