رائحة المطر..تملأ المكان..
والهواء البارد يغمرني ..تعلو أصوات ابواق السيارات ..فنتزاحم أمام الشباك للنظر للسيارات المتراصة المتزاحمة..وهي تتجه إلى وجهة واحدة منى…فغدا هو يوم الحج الاكبر “عرفات”
تعود بي الذاكرة للماضي..فكل ما في هذا اليوم يدفعني دفعا..للماضي
رائحة المطر..الحج..و “مكة!”
أن تكون من مكة..
يعني أن تحمل ضعفا من الذكريات
ذكريات الزمان..وذكريات المكان.!
الزحام الخانق ….امنياتنا أحيانا لو نخرج من مكة في الحج..
ورد والدي الذي حفظناه..” ومن يخدم الحجيج” أو “الناس بالملايين يدخلوا مكة ونحن نخرج منها!”
وقوفنا أمام الشباك ونحن صغار..نراقب السيارات والحافلات..والأعلام التي علّقت على كل سيارة..
حفظناها..
تركيا والجزائر وجيبوتي ونيجيريا وجزر القمر..و..يمر أمانا باص مكشوف السقف
فنعرف أنهم الايرانين..
تعلو أصوات الأبواق..يتخللها أصوات صافرات الإسعاف..فتسرح أمي بنظرها..
وتدمع عيناها..أحاول ان أتحدث في موضوع آخر..لأمنع الدمعة أن تنزل على خدها..
أكيدة أنها تذكرت والدها رحمه الله..
غادرنا قبل سنوات في يوم العيد..أكثر الأيام زحاما ..ولم تستطع وداعه
علقت في زحمة السير..لساعات ثم عادت..
ولم يهوّن عليها عدم توديعها إياه..سوى معرفتها أن أكثر من 2 مليون مسلم صلوا عليه..رحمه الله واسكنه فسيح جناته..
مئات من الجالسين في الباصات..الوان مختلفة..لغات مختلفة..ذكريات مختلفة..ووجهة واحدة..
أتامل ..بعض المارة..من الحجاج..وكانت هناك سيدة مسنة..تسير على مهل
وتذكرتها..أم علي تلك التي رافقتني ذات حج..
تلك السيدة القروية المسنة التي ودون سابق معرفة..نظرت إلي ووسعت لي بجانبها..لأجلس
ودعت لي!
بلا سبب محدد!..كان لسانها رطبا بالدعاء..أحيانا كنت اجلس خارج الخيمة..فيصل لي صوتها وهي تتحدث عني و تدعوا لي بالحاح!
فتغرورق عيناي بالدموع..واسجد شكرا لله..أن رزقني معرفتها..
بعد ذلك الحج..تساءلت كثيرا..ترى لماذا بدأ يندر امثال أم علي بين مسنينا..أقصد من لسانه رطبا بالدعاء !
لا أعلم لماذا..ولكنّي اليوم اشتقت لأم علي..ولدعاءها
كل عام وانتم بخير..
وأهديكم قصيدة سعيد عقل الجميلة “غنيت مكة”
فرحوا فلألأ تحت كل سما بيت على بيت الهدى زيدا
وعلى اسم رب العالمين علا بنيانه كالشهب ممدودا
يا قارئ لقرآن صل له، أهلي هناك وطيب البيدا
من راكع ويداه آنستا، أن ليس يبقى الباب موصودا
أنا أينما صلى الأنام رأت عيني السماء تفتحت جودا
لو رملة هتفت بمبدعها شجوا لكنت لشجوها عودا
ضج الحجيج هناك فاشتبكي بفمي هنا يغر تغريدا
و أعز رب الناس كلهم بيضا فلا فرقت أو سودا
لا قفرة إلا و تخصبها إلا و يعطي العطر لاعودا
الأرض ربي وردة وعدت بك أنت تقطف فإروي موعودا
و جمال وجهك لا يزال رجا ليرجى و كل سواه مردودا

